ابن الجوزي

45

زاد المسير في علم التفسير

والثاني : أنه الريح العاصف تحصب ، قاله أبو عبيدة ، وأنشد للفرزدق : - مستقبلين شمال الريح تضربهم * بحاصب منه كنديف القطن منثور - وقال ابن قتيبة : الحاصب : الريح ، سميت بذلك لأنها تحصب ، أي : ترمي بالحصباء ، وهي الحصى الصغار . وقال ابن الأنباري : قال اللغويون : الحاصب : الريح التي فيها الحصى . وإنما قال في الريح : * ( حاصبا ) * ولم يقل : " حاصبة " لأنه وصف لزم الريح ولم يكن لها مذكر تنتقل إليه في حال ، فكان بمنزلة قولهم : " حائض " للمرأة ، حين لم يقل : رجل حائض . قال : وفيه جواب آخر ، وهو أن نعت الريح عري من علامة التأنيث ، فأشبهت بذلك أسماء المذكر ، كما قالوا : السماء أمطر ، والأرض أنبت . والثالث : أن الحاصب : التراب الذي فيه حصباء ، قاله الزجاج . قوله تعالى : * ( ثم لا تجدوا لكم وكيلا ) * أي : مانعا وناصرا . قوله تعالى : * ( أم أمنتم أن يعيدكم فيه ) * أي : في البحر * ( تارة أخرى ) * أي : مرة أخرى ، والجمع : تارات . * ( فيرسل عليكم قاصفا من الريح ) * قال أبو عبيدة : هي التي تقصف كل شئ . قال ابن قتيبة : القاصف : الريح التي تقصف الشجر ، أي : تكسره . قوله تعالى : * ( فيغرقكم ) * وقرأ أبو المتوكل ، وأبو جعفر ، وشيبة ، ورويس : " فتغرقكم " بالتاء ، وسكون الغين ، وتخفيف الراء . وقرا أبو الجوزاء ، وأيوب : " فيغرقكم " بالياء ، وفتح الغين ، وتشديدها . وقرأ أبو رجاء مثله ، إلا أنه بالتاء * ( بما كفرتم ) * أي : بكفركم حيث نجوتم في المرة الأولى ، * ( ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا ) * قال ابن قتيبة : أي : من يتبع بدمائكم ، أي : يطالبنا . قال عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما : ريح العذاب أربع ، اثنتان في البر ، واثنتان في البحر ، فاللتان في البر : الصرصر ، والعقيم ، واللتان في البحر : العاصف ، والقاصف . قوله تعالى : * ( ولقد كرمنا بني آدم ) * أي : فضلناهم . قال أبو عبيدة : و " كرمنا " أشد مبالغة من " أكرمنا " . وللمفسرين فيما فضلوا به أحد عشر قولا : أحدها : أنهم فضلوا على سائر الخلق غير طائفة من الملائكة : جبريل ، وميكائيل ، وإسرافيل ، وملك الموت ، وأشباههم ، قاله أبو صالح عن ابن عباس . فعلى هذا يكون المراد : المؤمنين منهم ، ويكون تفضيلهم بالإيمان . والثاني : أن سائر الحيوان يأكل بفيه ، إلا ابن آدم فإنه يأكل بيده ، رواه ميمون بن مهران